relevance theory - cover

أهمية نظرية الترجمة في اللغويات المعاصرة

في مجال دراسات الترجمة المتنامي باستمرار، برزت نظرية الترجمة الملائمة كنهج رائد يتحدى النماذج التقليدية، ويقدم فهمًا أكثر شمولية لعملية الترجمة. وتستند هذه النظرية إلى مبادئ نظرية الترجمة الملائمة المستمدة من البراغماتية، وتؤكد على الجوانب المعرفية والتواصلية للترجمة، محولةً التركيز من مجرد التكافؤ اللغوي إلى السياق الأوسع لكيفية استنتاج المعنى وفهمه من قبل الجمهور المستهدف. تستكشف هذه المقالة الأسس النظرية، والتطبيقات العملية، والمزايا، والتحديات التي تواجه نظرية الترجمة الملائمة، مسلطةً الضوء على أهميتها في ممارسات الترجمة المعاصرة.

أولا: الأسس النظرية

نظرية الترجمة القائمة على الصلة مبنية على نظرية الصلة التي اقترحها دان سبيربر وديدري ويلسون في مجال التداولية. ووفقًا لهذه النظرية، فإن التواصل عملية استدلالية في جوهره، حيث ينقل المتحدث أو الكاتب المقاصد والمعاني التي يجب على المستمع أو القارئ استنتاجها بناءً على السياق والمعرفة السابقة. في الترجمة، يعني هذا أن دور المترجم يتجاوز مجرد تحويل الكلمات من لغة إلى أخرى؛ إذ يجب عليه ضمان أن يُحدث النص المترجم لدى الجمهور المستهدف نفس العملية الاستدلالية التي أحدثها النص الأصلي لدى جمهوره الأصلي.

يُعدّ مفهوم "الأهمية" المحوري أساسيًا لفهم هذه النظرية. يُعتبر النص ذا صلة إذا وفّر معلومات سياقية كافية تُمكّن القارئ من استخلاص المعنى بأقل جهد. بمعنى آخر، يجب أن يُوازِن الجهد اللازم لمعالجة المعلومات بالأثر المعرفي الذي تُحدثه. لكي تنجح الترجمة، يجب أن تُحقّق هذا التوازن الدقيق. يجب ألا يكون فهمها صعبًا لدرجة تُحبط القارئ، ولا مُبسّطًا لدرجة تُفقد النص الأصلي ثراءه وتفاصيله الدقيقة.

يكتسب هذا الإطار النظري أهمية خاصة لأنه يُدرك تعقيد التواصل البشري. فاللغة ليست مجرد شفرة تُفك، بل هي أداة لنقل المقاصد والمعاني المتجذرة في السياقات الثقافية والظرفية. ومن خلال التركيز على الصلة، تُقر النظرية بأن الترجمة لا تقتصر على التكافؤ اللغوي فحسب، بل تشمل أيضًا ضمان الحفاظ على المعنى المقصود وتأثير النص الأصلي وتوصيله بفعالية في اللغة الهدف.

ثانياً: التطبيق في ممارسة الترجمة

يتضمن تطبيق نظرية الترجمة الملائمة عمليًا عدة اعتبارات مهمة تتجاوز التركيز التقليدي على الدقة اللغوية. أولًا وقبل كل شيء، يجب أن يتمتع المترجم بفهم عميق لكل من ثقافتي المصدر والهدف. يلعب السياق الثقافي دورًا حاسمًا في تحديد الصلة، حيث يمكن أن تختلف التعبيرات الاصطلاحية والمراجع الثقافية، وحتى بنية الحجج، اختلافًا كبيرًا بين الثقافات المختلفة. على سبيل المثال، يحمل المثل الصيني "塞翁失马,焉知非福" (عندما فقد الرجل العجوز على الحدود حصانه، كيف يمكن للمرء أن يعرف ما إذا كان ذلك قد يتحول إلى نعمة؟) دلالات ثقافية غنية قد لا تكون واضحة فورًا للجمهور غير الصيني. يمكن للمترجم المتمرس في كلتا الثقافتين اتخاذ قرارات مستنيرة حول كيفية تكييف النص مع الحفاظ على معناه المقصود وأهميته.

ثانيًا، يجب على المترجم أن يُولي اهتمامًا بالغًا للجمهور المستهدف. فلكل جمهور توقعاته ومستوياته المعرفية المختلفة. قد تتطلب الترجمة الموجهة للقراء الأكاديميين نهجًا مختلفًا عن تلك الموجهة للجمهور العام. على سبيل المثال، قد يحتاج دليل تقني للمهندسين إلى استخدام مصطلحات متخصصة، بينما قد يتطلب كتاب للأطفال تبسيطًا وتعديلًا أكبر ليكون في متناول القراء الصغار. من خلال تصميم الترجمة بما يتناسب مع احتياجات وتوقعات الجمهور المستهدف، يمكن للمترجم تعظيم أهميتها.

ثالثًا، يجب أن يكون المترجم ماهرًا في التوفيق بين الأمانة للنص الأصلي وملاءمته للجمهور المستهدف. غالبًا ما تكون الترجمة الحرفية غامضة أو مُربكة للجمهور المستهدف. في مثل هذه الحالات، قد يحتاج المترجم إلى إجراء تعديلات، كإضافة شروحات، أو تعديل تعبيرات، أو حتى إعادة صياغة أجزاء معينة من النص. على سبيل المثال، عند ترجمة مسرحية شكسبير "العالم كله مسرح" إلى لغة أخرى، قد تفقد الترجمة الحرفية ثراءها المجازي. بدلًا من ذلك، قد يختار المترجم تكييفها مع استعارة ذات صلة ثقافية لنقل الفكرة نفسها بفعالية. مع ذلك، يجب إجراء هذه التعديلات بعناية لضمان عدم تحريف المعنى والقصد الأصليين.

ثالثًا: مزايا نظرية ترجمة الصلة

من أهم مزايا نظرية الترجمة القائمة على الصلة أنها توفر نهجًا أكثر شمولية وديناميكية للترجمة. فعلى عكس بعض النظريات التقليدية التي تركز بشكل ضيق على التكافؤ اللغوي، تُقر هذه النظرية بأن الترجمة عملية تواصل معقدة تتضمن عمليات لغوية ومعرفية. ومن خلال التركيز على الصلة، تُشجع هذه النظرية المترجمين على التفكير بعمق أكبر في السياق والجمهور، مما يؤدي إلى ترجمات أكثر فعالية وتفاعلًا.

من المزايا المهمة الأخرى أنها توفر إطارًا واضحًا وعمليًا لتقييم الترجمات. فبدلًا من الاعتماد فقط على الأحكام الذاتية حول جودة الترجمة، توفر هذه النظرية معايير محددة لتقييم مدى ملاءمتها. وهذا يُسهّل على المترجمين والمحررين والمراجعين تحديد جوانب التحسين واتخاذ قرارات أكثر استنارة حول كيفية تحسين الترجمة. على سبيل المثال، يمكن تقييم الترجمة بناءً على مدى توازنها بين الجهد المطلوب للفهم والأثر المعرفي الذي تُحدثه لدى الجمهور المستهدف.

علاوة على ذلك، تُشجع نظرية الترجمة الملائمة على اتباع نهج ترجمة أكثر تركيزًا على القارئ. فمن خلال التركيز على احتياجات وتوقعات الجمهور المستهدف، تضمن هذه النظرية دقة الترجمات لغويًا، بالإضافة إلى ملاءمتها ثقافيًا وتفاعلها. ويكتسب هذا أهمية خاصة في عالمنا المعولم، حيث يتزايد أهمية التواصل بين الثقافات. فالترجمات الفعّالة قادرة على سد الفجوات اللغوية والثقافية، مما يُسهّل التفاهم والتواصل بين مختلف المجتمعات.

رابعًا: التحديات والانتقادات

على الرغم من نقاط قوتها العديدة، إلا أن نظرية الترجمة القائمة على الملاءمة لا تخلو من التحديات والانتقادات. من أبرز هذه الانتقادات أن مفهوم الملاءمة قد يكون ذاتيًا إلى حد ما. فما يُعتبر مناسبًا لشخص ما قد لا يكون كذلك لشخص آخر، تبعًا لخلفيته ومعارفه وتوقعاته. وهذا قد يُصعّب تطبيق النظرية بشكل متسق وموضوعي في الممارسة العملية. على سبيل المثال، قد يجد المترجم صعوبة في تحديد مستوى التكيف المطلوب لجعل النص مناسبًا لجمهور متنوع دون أن يفقد جوهره الأصلي.

من التحديات الأخرى أن النظرية تتطلب مهارة وخبرة عالية من المترجمين. إن فهم ثقافتي المصدر والهدف بعمق، بالإضافة إلى القدرة على اتخاذ قرارات دقيقة بشأن كيفية الموازنة بين الأمانة والأهمية، ليس بالأمر الهيّن. هذا يعني أنه قد لا يتمكن جميع المترجمين من تطبيق مبادئ النظرية تطبيقًا كاملًا، مما قد يحدّ من فعاليتها في بعض الحالات. إضافةً إلى ذلك، قد يتطلب تركيز النظرية على العملية الاستدلالية من المترجمين إجراء بحث وتحليل مكثفين، مما قد يستغرق وقتًا طويلًا ويتطلب جهدًا كبيرًا.

يرى بعض النقاد أيضًا أن نظرية الترجمة القائمة على الملاءمة قد تؤدي إلى الإفراط في التكييف، حيث يُعطي المترجم الأولوية لملاءمة النص الأصلي للجمهور المستهدف على حساب تكامله. وقد يؤدي هذا إلى فقدان الأصالة الثقافية والخصائص الفريدة للنص المصدر. على سبيل المثال، في الترجمة الأدبية، قد يحتاج المترجم إلى الموازنة بين الحفاظ على أسلوب المؤلف وأسلوبه، وبين ضرورة جعل النص في متناول الجمهور المستهدف ومناسبًا له.

خامسًا: دراسات الحالة: توضيح النظرية في العمل

ولكي نفهم بشكل أفضل التأثيرات العملية لنظرية الترجمة ذات الصلة، دعونا ننظر في بعض دراسات الحالة من مجالات مختلفة للترجمة.

الترجمة الأدبية

في الترجمة الأدبية، يكمن التحدي غالبًا في الحفاظ على الفروق الفنية والثقافية للنص الأصلي مع جعله في متناول جمهور جديد. على سبيل المثال، عند ترجمة رواية غابرييل غارسيا ماركيز مائة عام من العزلة من الإسبانية إلى الإنجليزية، يجب على المترجم أن يستكشف النسيج الغني للواقعية السحرية والإشارات الثقافية المتجذرة بعمق في النص الأصلي. بتطبيق نظرية الترجمة الملائمة، يستطيع المترجم اتخاذ قرارات مدروسة حول كيفية نقل العناصر الخيالية والسياق الثقافي بطريقة تتوافق مع النص الأصلي ومناسبة للقراء الناطقين باللغة الإنجليزية. قد يشمل ذلك إضافة حواشٍ لشرح الإشارات الثقافية أو تعديل الاستعارات لجعلها أكثر سهولة دون أن تفقد جوهرها الشعري.

الترجمة التقنية

في الترجمة التقنية، كترجمة أدلة البرامج أو الوثائق الطبية، غالبًا ما ينصب التركيز على الدقة والوضوح. ومع ذلك، تُعدّ الصلة بالموضوع بنفس القدر من الأهمية. على سبيل المثال، عند ترجمة وثيقة طبية من الإنجليزية إلى اليابانية، يجب على المترجم التأكد من دقة المصطلحات مع مراعاة السياق الثقافي لنظام الرعاية الصحية الياباني. قد يشمل ذلك تكييف بعض المصطلحات لتتناسب مع المصطلحات الطبية المحلية، أو تقديم شروحات إضافية لتوضيح مفاهيم قد لا تكون مألوفة للجمهور المستهدف. بإعطاء الأولوية للصلة بالموضوع، يمكن للمترجم إنشاء وثيقة دقيقة لغويًا ومفيدة عمليًا لقرائه المستهدفين.

الترجمة والدبلجة

في مجال الترجمة السمعية والبصرية، مثل ترجمة الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، تلعب الصلة دورًا حاسمًا. يجب على المترجمين تكثيف الحوار في مساحة ووقت محدودين مع ضمان الحفاظ على المعنى والسياق. على سبيل المثال، عند ترجمة مسلسل كوري لجمهور ناطق باللغة الإنجليزية، يجب على المترجم الموازنة بين ضرورة الإيجاز وأهمية نقل الفروق الثقافية والدلالات العاطفية. بتطبيق نظرية الصلة بالترجمة، يمكن للمترجم اتخاذ قرارات بشأن المعلومات التي يجب تضمينها أو حذفها، مما يضمن أن تكون الترجمة ذات صلة وجذابة للجمهور المستهدف.

السادس. الخاتمة

تُمثل نظرية الترجمة الملائمة تطورًا هامًا ومبتكرًا في مجال دراسات الترجمة. فمن خلال التركيز على الجوانب المعرفية والتواصلية للترجمة، تُقدم هذه النظرية نهجًا أكثر شمولًا وديناميكية يتجاوز مجرد التكافؤ اللغوي. ورغم أنها تواجه بعض التحديات والانتقادات، إلا أنه لا يمكن تجاهل فوائدها المحتملة في إنتاج ترجمات أكثر فعالية وجاذبية. ومع استمرار تطور مجال الترجمة استجابةً لمتطلبات العولمة والتواصل بين الثقافات المتزايدة، من المرجح أن تلعب نظرية الترجمة الملائمة دورًا متزايد الأهمية في تشكيل طريقة تفكيرنا في الترجمة وممارستنا لها.

في عالمٍ يُحتفى فيه بالتنوع اللغوي والثقافي، يُمكن لمبادئ نظرية الترجمة الملائمة أن تُساعدنا على سد الفجوات بفعالية أكبر، مما يضمن ليس فقط فهم رسائلنا، بل أيضًا ارتباطها الحقيقي بجمهورنا. بالتركيز على احتياجات وتوقعات الجمهور المستهدف، يُمكن للمترجمين ابتكار ترجماتٍ وفية للنص الأصلي وفي متناول القراء الجدد. في نهاية المطاف، تُذكرنا هذه النظرية بأن الترجمة لا تقتصر على تحويل الكلمات، بل تشمل أيضًا نقل المعنى والقصد والسياق بطريقةٍ تتماشى مع التجربة الإنسانية.

relevance theory - illustration

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

arArabic